يتساءل كثير من الناس عن الأحكام الشرعية المرتبطة بالصيام أثناء السفر، خاصةً عند الوصول إلى مكان الإقامة بعد رحلة طويلة، إذ يحرص المسلم على معرفة ما يجوز له فعله حتى يعبد الله على بصيرة ويتجنب الوقوع في الحرج أو الخطأ.
ولهذا يتكرر البحث حول حكم الإفطار في السفر بعد الوصول بسبب اختلاف الحالات وتعدد الظروف التي يمر بها المسافر، وهذا يجعل بيان الحكم الشرعي ضرورة لكل من يحرص على صحة عبادته.
عبر مقالنا التالي نتعرف على أهم أحكام الإفطار في السفر بعد الوصول، مع معرفة الظروف التي يرخص فيها الإفطار للصائم وكل ما يخص التساؤلات المتعلقة بالأمر.
ما هو حكم الإفطار في السفر بعد الوصول؟
القول الراجح في مذهب مالك والشافعي وقول ابن العثيمين بأنه لا يجب الإمساك بقية اليوم ومواصلة الفطر، ولكن لا بد من قضاء هذا اليوم لاحقاً؛ وهذا لأن الفطر كان مباحًا برخصة السفر وقد انتهت، والإمساك لا يفيد.
فعندما تم سؤال ابن العثيمين رحمه الله تعالى عما : "إذا قدم المسافر لبلد غير بلده فهل ينقطع سفره؟" فأجاب بقوله: "إذا قدم المسافر لبلد غير بلده لم ينقطع سفره، فيجوز له الفطر في رمضان وإن بقي جميع الشهر، أما إذا قدم إلى بلده وهو مفطر فإنه لا يجب عليه الإمساك، فله أن يأكل ويشرب بقية يومه؛ لأن إمساكه لا يفيده شيئاً لوجوب قضاء هذا اليوم عليه".
كما يتعلق حكم الإفطار في السفر بعد الوصول بحال المسافر عند وصوله إلى المكان الذي قصده وهل نوى الإقامة فيه أم لا، ويقرر أهل العلم أن المسافر إذا وصل إلى بلد ينوي الإقامة فيها مدة طويلة تخرجه عن وصف السفر لزمه الصيام ولا يباح له الفطر، أما إن وصل وهو لا ينوي الإقامة إلا أيام يسيرة جاز له الفطر ما دام في حكم المسافر.
ويعتمد الحكم هنا على نية الإقامة لا على مجرد الوصول نفسه ولهذا يختلف الحكم من شخص لآخر بحسب حاله ونيته ومدة مكثه.
حكم الإفطار حال الإقامة في السفر لفترة طويلة
يرتبط حكم الإفطار في السفر بعد الوصول بمدة الإقامة ارتباطًا مباشرًا؛ حيث يرى جمهور العلماء أن من نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فإنه يعد مقيمًا ويلزمه الصيام ولا يجوز له الإفطار، أما من لم يحدد مدة واضحة أو كان ينتظر قضاء حاجة ثم العودة فيبقى على حكم المسافر ويجوز له الفطر.
ويستند هذا القول إلى فعل النبي ﷺ حين أقام في بعض أسفاره أيام معدودة وكان يفطر ودل على أن نية الإقامة هي الفاصل بين السفر والاستقرار.
تعرف على مشاريع جمعية نافع: إفطار الصائمين في الحرم
الظروف التي يرخص فيها الإفطار للصائم
تراعي الشريعة الإسلامية أحوال الناس واختلاف قدراتهم؛ فجعلت الصيام عبادة قائمة على اليسر لا المشقة وربطت أداءه بالقدرة والطاقة، ولذلك أبيح الفطر في حالات محددة ترفع الحرج عن المسلم وتمنع عنه الضرر مع بقاء أصل العبادة محفوظًا وقائمًا على النية الصادقة، وتتعدد هذه الظروف بحسب حال الصائم وما يمر به من مشقة حقيقية، وأهم هذه الظروف:
1. السفر الذي تتحقق فيه المشقة
يعد السفر من أبرز الأسباب التي يرخص بسببها الفطر؛ خاصةً إذا صاحبته مشقة ظاهرة أو تعب جسدي يؤثر على قدرة الصائم، ولا يشترط في ذلك طول المسافة وحده ولكن يُنظر إلى حال المسافر نفسه وما يواجهه من عناء في طريقه أو عند وصوله؛ فإذا وجد مشقة حقيقية جاز له الفطر وكان ذلك من باب التيسير المشروع.
2. المرض الذي يؤثر على القدرة على الصيام
يمكن الفطر للمريض الذي يخشى زيادة مرضه أو تأخر شفائه بسبب الصيام، ويدخل في ذلك المرض المؤقت والعارض وكذلك الحالات الصحية التي تحتاج إلى تناول الدواء في أوقات محددة ويراعى في هذا الأمر تقدير الحالة الصحية دون مبالغة أو تفريط على أن يُقضى الصيام بعد زوال العذر.
3. التعب الشديد المرتبط بالعمل أو الجهد البدني
يُرخص الفطر لمن يباشر عمل شاق يتطلب جهد بدني كبير؛ حيث يخشى على نفسه الضرر أو العجز عن إتمام عمله الضروري، ويشمل ذلك الأعمال التي لا يمكن تأجيلها أو التخفيف منها ويكون الإفطار هنا مرتبط بالحاجة الفعلية وليس بالمشقة المعتادة.
4. الحمل والرضاعة مع الخوف على النفس أو الولد
تُباح الرخصة للمرأة الحامل أو المرضعة إذا خافت على صحتها أو على صحة جنينها أو رضيعها؛ سواء كان الخوف مبني على تجربة سابقة أو على نصيحة طبية موثوقة، ويُراعى في هذه الحالة حفظ النفس والولد مع وجوب القضاء بعد زوال العذر.
شروط إفطار المسافر في شهر رمضان
تقوم أحكام الشريعة على رفع الحرج عن المسلم وتراعي ما يمر به من مشقة أثناء تنقله وسفره ولذلك شرع الإفطار للمسافر بشروط واضحة تضبط هذا الحكم وتمنع التوسع فيه بغير حق، ويتوقف جواز الإفطار في السفر على توفر مجموعة من الضوابط التي تبين متى يعد الإنسان مسافرًا شرعًا ومتى يلزمه الصيام رغم وجود السفر على النحو التالي:
1. تحقق نية السفر قبل دخول وقت الصيام
يشترط لجواز الإفطار أن يكون السفر قد بدأ قبل طلوع الفجر؛ حيث يدخل وقت الصيام والمسافر في طريقه أو خارج بلده بالفعل، أما من نوى السفر لكنه أصبح صائم وهو لا يزال مقيمًا فلا يباح له الفطر إلا بعد خروجه من بلده وبدأ مسافة السفر المعتبرة في الشرع وهي حوالي 80 كم.
2. ألا ينوي الإقامة الطويلة في مكان الوصول
يتوقف الحكم كذلك على نية الإقامة بعد الوصول؛ فمن نوى البقاء مدة طويلة يتم إخراجه عن وصف السفر وقد وجب عليه الصيام من حين استقراره، أما من لم يحدد مدة الإقامة أو كان ينتظر قضاء حاجة ثم العودة فله أن يفطر ما دام في حكم المسافر.
3. خلو السفر من المعصية
يشترط لجواز الإفطار أن يكون السفر مباحًا؛ فلا تمنح الرخصة لمن جعل سفره وسيلة لمعصية أو أمر محرم؛ فالرخصة نعمة تُعطَى لمن سلك طريقًا مشروعًا وليس لمن تعمد المخالفة.
4. وجود مشقة حقيقية أو حاجة معتبرة
يُراعى في جواز الإفطار وجود مشقة ظاهرة أو حاجة معتبرة؛ سواء كانت جسدية أو متعلقة بظروف الطريق، فإذا لم يجد المسافر أي عناء وكان الصيام أيسر له وجاز له الصيام كان ذلك أولى في حقه.
هل يعد الإفطار في السفر سُنَّة؟
يختلف الحكم بحسب حال المسافر؛ فقد يكون الصوم أفضل لمن لا يشق عليه وقد يكون الفطر أولى لمن يجد مشقة، ولم يرد ما يدل على أن الإفطار سنة مطلقة؛ بل جاءت النصوص بالتيسير ورفع الحرج، فكان الأمر واسع بحسب حال الشخص.
ويتضح هنا أن حكم الإفطار في السفر بعد الوصول لا يفهم على وجه واحد ولكن يراعى فيه حال الإنسان وقدرته.
هل يجوز للمسافر الإفطار ثلاثة أيام؟
يجوز للمسافر الإفطار ما دام في مدة السفر؛ سواء كانت يوم أو ثلاثة أو أكثر بشرط ألا ينوي الإقامة التي تقطع حكم السفر، فإذا استقر في بلد معين بنية الإقامة الطويلة وجب عليه الصيام من حين استقراره.
متى يكون قضاء الصيام على من له رخصة الإفطار لسفر؟
يجب قضاء الأيام التي أفطرها المسافر بعد انتهاء رمضان؛ سواء أفطر بعذر السفر أو بسبب مشقة معتبرة ويجب القضاء في أي وقت قبل دخول رمضان التالي دون اشتراط التتابع، كما يرتبط هذا الحكم مباشرة بفهم حكم الإفطار في السفر بعد الوصول لأن معرفة وقت وجوب الصيام أو جواز الفطر يحدد متى يلزم القضاء.
اقرأ أيضا عن: فضل إفطار الصائمين
الخلاصة
يتضح لنا أن حكم الإفطار في السفر بعد الوصول يعتمد على نية الإقامة ومدتها وليس مجرد الوصول إلى المكان، وتختلف الأحكام باختلاف الأحوال ويُراعى فيها رفع المشقة وتحقيق مقصود الشريعة في التيسير، ويبقى الأصل هو الصيام وتبقى الرخصة رحمة لمن احتاج إليها دون إفراط أو تفريط.
أسئلة شائعة
توجد بعض الأسئلة الأخرى التي تتردد حول موضوع الإفطار خلال الصيام نوضحها كالآتي:
هل يجوز الإفطار بسبب الصداع؟
نعم، يجوز الإفطار إذا بلغ الصداع حد يشق معه الصيام أو يخشى معه الضرر ويقدر ذلك الشخص نفسه.
هل يجوز الإفطار بعد نية الصيام؟
يجوز الإفطار إذا وجد سبب معتبر كالسفر أو المرض ويجب قضاء ذلك اليوم في وقت لاحق، ولا إثم في ذلك عند وجود العذر الشرعي.
هل يجوز للمسافر أن يصوم رغم توفر رخصة الإفطار؟
نعم، يجوز للمسافر أن يصوم إذا كان قادر على ذلك دون أن يلحق به تعب أو مشقة؛ فالرخصة وضعت للتيسير وليس الإلزام، وإذا وجد المسافر في نفسه قوة على الصيام ولم يتضرر به بدنيًا أو صحيًا يفضل له الصيام وكان صومه صحيحًا ومقبولًا بإذن الله.