تعد منظمات المجتمع المدني أحد الأركان الثلاثة التي تقوم عليها نهضة الدول الحديثة، بجانب القطاع الحكومي والقطاع الخاص. ومع توسع نطاق العمل التطوعي، برزت تساؤلات ملحة حول المصطلحات القانونية والإدارية لهذه المنظمات.
لذا يهدف هذا المقال إلى توضيح الفرق بين الجمعية الأهلية والخيرية بشكل مفصل، واستعراض أنواع الجمعيات الأهلية وميادين عملها، مما يساعد المهتمين والمؤسسين على اختيار النموذج الأنسب لأهدافهم التنموية.
ما المقصود بالجمعيات الأهلية؟
الجمعية الأهلية هي كيان قانوني غير ربحي، يتكون من مجموعة من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين الذين يجتمعون لتحقيق غرض عام أو خاص يخدم المجتمع في مجالات متنوعة. إذ تعتمد هذه الجمعيات على المشاركة الطوعية، وتدار من قبل مجلس إدارة منتخب، ولا تهدف إلى تحقيق أرباح مادية للمؤسسين، بل يتم توظيف كافة مواردها لخدمة أهدافها المنصوص عليها في لائحتها الأساسية.
مفهوم الجمعية الخيرية
الجمعية الخيرية هي نوع من المنظمات التي تركز نشاطها الأساسي على تقديم المساعدات المباشرة للفئات المحتاجة حيث يتمحور عملها حول "البر والإحسان"، وتعتمد بشكل كبير على التبرعات والزكاة والصدقات لتنفيذ برامج إغاثية تهدف إلى سد الحاجات الأساسية للإنسان من مأكل، ومشرب، وملبس، ومسكن.
الفرق الجوهري بين الجمعية الأهلية والخيرية
رغم أن المصطلحين يُستخدمان أحياناً بشكل تبادلي في اللغة الدارجة، إلا أن هناك فروقات دقيقة وجوهرية من حيث الفلسفة، الاستدامة، والنطاق:
1. الفلسفة والمنهجية (الإغاثة مقابل التنمية)
- الجمعية الخيرية: تتبع منهجاً "إغاثياً" يعالج النتائج المباشرة للفقر والحاجة حيث تستجيب للأزمات وتوفر الدعم المباشر، وهو ما يسمى غالباً بـ "الرعاية".
- الجمعية الأهلية: تتبع منهجاً "تنموياً" يعالج جذور المشكلات الاجتماعية. وهي لا تكتفي بتقديم المساعدة، بل تعمل على تمكين الأفراد والمجتمعات من خلال برامج طويلة الأمد.
2. طبيعة الأنشطة والخدمات
في الجمعيات الخيرية تكون الأنشطة غارقة في العمل الميداني المباشر مثل "كفالة الأيتام" أو "توزيع السلال الغذائية". أما في الجمعيات الأهلية، قد تشمل الأنشطة "التدريب المهني"، "التوعية البيئية"، أو "الدعم القانوني"، وهي أنشطة تهدف إلى بناء قدرات الفرد والمجتمع.
3. الاستدامة والأثر المجتمعي
تمتاز الجمعيات الأهلية بقدرتها العالية على خلق أثر مستدام؛ فبدلاً من تقديم "السمكة" (العمل الخيري)، هي تعلم الفرد "كيف يصطاد" (العمل الأهلي التنموي). هذا التمييز ضروري عند التخطيط لمشاريع وطنية كبرى تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدعم المباشر وزيادة الإنتاجية.
أنواع الجمعيات الأهلية وميادين عملها
تتعدد أنواع الجمعيات الأهلية بناءً على تخصصاتها، وهذا التنوع يعكس حيوية المجتمع وقدرته على تغطية كافة الثغرات التنموية.
- الجمعيات التنموية والاجتماعية: تعد هذه الجمعيات عصب العمل الأهلي، حيث تعمل على تحسين مستوى المعيشة في مناطق جغرافية محددة أو لفئات اجتماعية معينة. وتشمل برامجها تمكين المرأة والشباب، وتطوير الأحياء، ودعم الأسر المنتجة.
- الجمعيات العلمية والثقافية: تركز على نشر المعرفة، ودعم البحث العلمي، والحفاظ على الموروث الثقافي والفني للمجتمع. كما تعمل على تنظيم المؤتمرات، وإصدار المجلات العلمية، ودعم المواهب الشابة في شتى الفنون.
- الجمعيات البيئية: في ظل التحديات المناخية العالمية، برز دور هذه الجمعيات في حماية الغطاء النباتي، ومكافحة التلوث، والتوعية بأهمية التدوير، وحماية الحياة الفطرية.
- الجمعيات الصحية والتوعوية: وهي الجمعيات التي تساند المنظومة الصحية الرسمية من خلال التوعية بالأمراض، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمرضى، وإقامة المخيمات الطبية التطوعية.
المقارنة مع الجمعيات التعاونية
من الضروري فهم الفرق بين الجمعية التعاونية والجمعية الخيرية لتجنب الخلط التنظيمي:
- الجمعية التعاونية: هي مؤسسة تقوم على أساس "المنفعة المتبادلة" بين أعضائها المشتركين.إذ يساهم الأعضاء برأس المال ويحصلون على خدمات أو سلع بأسعار تفضيلية، ويتم توزيع الفوائد أو العوائد عليهم بناءً على حجم تعاملهم مع الجمعية. النفع هنا ليس "عاماً" بالمعنى المطلق، بل هو نفع "مشترك" للأعضاء.
- الجمعية الخيرية: النفع فيها "عام" وموجه حصراً لمن لا يملكون القدرة، ولا يشترط في المستفيد أن يكون عضواً أو مساهماً، بل المعيار الوحيد هو "الحاجة".
أنواع الجمعيات الخيرية وتصنيفاتها
تتمايز أنواع الجمعيات الخيرية حسب تخصصها الإغاثي، ومن أبرزها:
- الجمعيات الإغاثية الشاملة: التي تتدخل في أوقات الكوارث والأزمات.
- الجمعيات النوعية: مثل جمعيات رعاية الأيتام، جمعيات مساعدة السجناء، أو جمعيات الإسكان الخيري.
- المؤسسات الوقفية: وهي كيانات خيرية تعتمد في تمويلها على ريع أوقاف ثابتة خصصها الواقفون لأعمال البر.
كيف تؤسس جمعية أهلية؟
تأسيس الجمعيات الأهلية يمر بعدة مراحل قانونية تضمن شفافية العمل وحوكمته:
- المرحلة التحضيرية: اختيار مجلس المؤسسين (لا يقل عن عدد محدد قانوناً) وتحديد اسم الجمعية وأهدافها.
- صياغة اللائحة الأساسية: وهي "دستور الجمعية" الذي يحدد هيكلها التنظيمي وصلاحيات مجلس الإدارة والجمعية العمومية.
- تقديم الطلب الرسمي: عبر الجهة الحكومية المشرفة (مثل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية) للحصول على الترخيص.
- التسجيل والإشهار: بعد الموافقة، يتم إشهار الجمعية في الصحف الرسمية وتكتسب الشخصية الاعتبارية.
ما هي ميادين عمل الجمعيات الأهلية؟
تشمل ميادين العمل كل ما يخدم الصالح العام، مثل:
- التعليم ومحو الأمية.
- رعاية ذوي الإعاقة.
- التدريب والتوظيف.
- حماية المستهلك.
- الأنشطة الرياضية والكشفية.
لماذا يحتاج المجتمع إلى كلا النوعين؟
لا يمكن الاستغناء عن العمل الخيري لصالح العمل الأهلي أو العكس. فالمجتمع يحتاج إلى الجمعية الخيرية لتكون "شبكة الأمان" التي تلتقط من يمرون بظروف قاهرة وتوفر لهم الحياة الكريمة فوراً. وفي الوقت ذاته، يحتاج إلى الجمعية الأهلية لتكون "محرك التغيير" الذي ينقل هؤلاء الأفراد من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج.
ولهذا فإن التكامل بين الأنواع المختلفة للجمعيات يخلق مجتمعاً حيوياً قادراً على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية بكفاءة عالية.
ما المقصود بالجمعيات الأهلية؟
هي منظمات مدنية غير ربحية ينشئها أفراد المجتمع لتحقيق أهداف تنموية أو اجتماعية أو مهنية محددة وفقاً للأنظمة المحلية.
كيف تؤسس جمعية أهلية؟
من خلال توفر عدد أدنى من المؤسسين، صياغة نظام أساسي، وتوفر مقر، ثم التقدم بطلب ترخيص للجهات المختصة واستكمال الإجراءات القانونية.
ما هي ميادين عمل الجمعيات الأهلية؟
تتنوع لتشمل مجالات الصحة، التعليم، البيئة، الثقافة، التنمية الاقتصادية، تمكين الفئات الضعيفة، والخدمات الاجتماعية الشاملة.
هل يمكن للجمعية الأهلية تحقيق أرباح؟
الجمعية الأهلية كيان "غير ربحي" بالتعريف، بمعنى أن الأرباح لا تُوزع على الأعضاء، ولكن يمكنها ممارسة أنشطة استثمارية لضمان استدامة برامجها وخدماتها المجتمعية.
نقاط أخيرة
في نهاية هذا الدليل، يتضح لنا أن الفرق بين الجمعية الأهلية والخيرية هو فرق يتكامل فيه العطاء مع البناء. فبينما تضمد الجمعيات الخيرية الجراح، تعتمد الجمعيات الأهلية على بناء المستقبل. لذا فإن فهم هذه الفروق، ومعرفة أنواع الجمعيات الأهلية المتاحة، يفتح آفاقاً واسعة للعمل التطوعي المنظم الذي يسهم في تحقيق رؤية طموحة لمجتمع مزدهر ومستدام.