يبحث الكثيرون عن إجابة هذا السؤال، خاصةً الأشخاص الذين يرغبون في الجمع بين أداء الفريضة وتحقيق نفع واسع للناس؛ خاصةً مع عظم حاجة المجتمعات الفقيرة إلى الماء.
ويحرص المسلم على أن يضع زكاته في موضعها الصحيح الذي يبرئ الذمة ويوافق الحكم الشرعي ولذلك يظهر التساؤل حول مشروعات سقيا الماء وهل تدخل ضمن مصارف الزكاة التي ورد ذكرها في كتاب الله.
وعبر مقالنا التالي نوضح الأحكام المتعلقة بسقيا الماء، مع عرض أقوال أهل العلم وتوضيح الفرق بين الزكاة والصدقة حتى يصل المتبرع إلى قرار مطمئن مبني على علم وبصيرة.
أنواع سقيا الماء
تتنوع صور سقيا الماء بتنوع حاجات الناس واختلاف الأماكن ويقصد بها إيصال الماء الصالح للشرب إلى من يحتاجه بوسائل متعددة، بينما تعكس هذه الأعمال معنى الرحمة والتكافل وتفتح باب واسع للأجر.
كما تدفع كثيرين إلى التساؤل عن هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء عند اختيار نوع المشروع المناسب للإنفاق، ومن أنواع سقيا الماء:
1. حفر الآبار في المناطق المحتاجة
ينشئ المتبرعون آبار في القرى والأماكن التي تفتقر إلى مصادر الماء ويعتمد عليها السكان في الشرب والاستخدام اليومي، ويحقق هذا النوع نفع متكرر، ويخفف عن الناس مشقة البحث عن الماء لمسافات بعيدة.
2. سقيا المساجد
يوفر القائمون على هذا العمل سقيا الماء لبيوت الله ليشرب منه المصلون وطلاب العلم، ويرتبط هذا النوع بالعبادة ويعين على الطهارة وأداء الصلاة ويعد من وجوه الخير المنتشرة في بلاد المسلمين.
3. توزيع المياه المبردة
يوزع المتطوعون عبوات المياه على المحتاجين وعابري السبيل، خاصةً في أوقات الحر والزحام، ويظهر هذا النوع في المشاعر المقدسة والمواسم التي يكثر فيها اجتماع الناس.
4. سقيا الحجاج والمعتمرين
يخدم هذا الوجه ضيوف الرحمن ويخفف عنهم عناء العطش أثناء أداء المناسك، ويحرص أهل الخير على دعمه لما فيه من خدمة مباشرة للعباد في عبادة عظيمة.
5. سقيا الماء عبر المشاريع الخيرية
تنفذ الجمعيات مشاريع منظمة لسقيا الماء وتشمل إنشاء محطات تحلية أو نقل المياه إلى المناطق النائية، ويختار بعض المتبرعين هذا الطريق عند البحث عن وسيلة موثوقة للإنفاق ويتجدد السؤال حينها عن هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء وفق الضوابط الشرعية.
هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء؟
يتوقف الحكم الشرعي في هذه المسألة على الجهة التي يصل إليها نفع هذا المشروع وليس على العمل نفسه فقط.
وقد فرق أهل العلم بين الصدقة العامة وبين الزكاة المفروضة، وبينوا أن الزكاة عبادة مالية محددة المصارف لا يجوز صرفها خارج ما ورد به النص؛ فأكد القرآن الكريم مصارف الزكاة في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ـ [التوبة: 60]
ويفهم من الآية أن الزكاة لا تصرف في المشاريع العامة على الإطلاق وإنما تعطى لأشخاص مستحقين داخل هذه الأصناف، وبناءً على ذلك لا يجوز توجيه الزكاة مباشرة إلى مشروع سقيا الماء إذا كان نفعه عامًا لا يختص بالفقراء والمحتاجين.
ويجيز بعض أهل العلم صرف الزكاة في سقيا الماء عند تحقق شرط مهم وهو أن يملك الفقير أو المسكين هذا الماء أو ينتفع به انتفاعًا خاصًا؛ كأن تنقل المياه إلى بيوت المحتاجين أو تحفر آبار في قرى لا ينتفع بها غيرهم.
وفي هذه الحالة يتحقق وصول الزكاة إلى مستحقيها ويصبح الحديث عن هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء مرتبط بتحقيق هذا القيد الشرعي. كما يفرق العلماء بين الزكاة والصدقة الجارية؛ فيجعلون سقيا الماء من أعظم أبواب الصدقة المستحبة، بينما يضيقون الأمر في الزكاة التزامًا بالنص.
وينصح الفقهاء من أراد الجمع بين الأجرين أن يجعل الزكاة في مصارفها المحددة ويجعل سقيا الماء من الصدقات والتبرعات العامة.
أنواع مصارف الزكاة
حدد الشرع مصارف الزكاة بشكل واضح فلا يقبل الاجتهاد المفتوح، وجعل لكل مصرف معنى وضابط يميزه عن غيره؛ ويسهل فهم مسألة هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء عند معرفة هذه المصارف كما وردت في القرآن الكريم، وفهم المقصود بكل صنف منها على ضوء كلام أهل العلم.
1. الفقراء
يحتاج الفقير إلى من يسد عجزه الأساسي في المأكل والمشرب والمسكن، ويملك هذا الصنف أقل من كفايته، ويجوز إعطاؤه من الزكاة ما يرفع عنه الحاجة؛ سواء نقد أو طعام أو ماء إذا كان بحاجة إليه.
2. المساكين
يملك المسكين بعض ما يكفيه ولكنه لا يغنيه عن السؤال، بينما يشترك مع الفقير في الحاجة ويجوز توجيه الزكاة إليه بما يخفف ضيقه ويعينه على قضاء ضروراته.
3. العاملون عليها
يتولى هذا الصنف جمع الزكاة وحفظها وتوزيعها بإذن ولي الأمر أو الجهة المخولة، ويأخذ من الزكاة مقابل عمله ولو كان غنيًا ما دام قائم على شؤونها.
4. المؤلفة قلوبهم
يعطى هذا الصنف من أجل تأليف قلوبهم على الإسلام أو تثبيت لهم عليه، بينما يشمل ذلك من يرجى بإعطائه نفع الإسلام أو دفع شره عن المسلمين.
5. الرقاب
يصرف هذا السهم في عتق الرقاب وفك الأسرى، ويدخل فيه إعانة المكاتبين على تحرير أنفسهم وكل ما يؤدي إلى إنهاء الرق.
6. الغارمون
يثقل الدين كاهل الغارم حتى يعجز عن السداد ويعطى من الزكاة ما يفي بدينه إذا كان الدين في أمر مباح؛ سواء استدان لنفسه أو لإصلاح ذات البين.
7. في سبيل الله
يشمل هذا المصرف الجهاد وما يلحق به من مصالح الدين التي نص عليها أهل العلم ويختلف الفقهاء في تفصيله ولا يتوسع فيه بغير دليل.
8. ابن السبيل
ينقطع المسافر عن ماله في غير بلده فيحتاج إلى ما يبلغه مقصده، ويُعطى من الزكاة بقدر حاجته ولو كان غني في بلده.
هل سقيا الماء من مصارف الزكاة؟
يرتبط الحكم في مسألة هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء بفهم طبيعة مصارف الزكاة كما وردت في النص الشرعي، ولم يرد ذكر سقيا الماء نصًا ضمن هذه المصارف ولذلك نظر العلماء إلى الجهة المنتفعة لا إلى صورة العمل نفسها.
ويرى جمهور أهل العلم أن سقيا الماء لا تعد مصرف مستقل من مصارف الزكاة لأنها عمل نفعه عام، بينما تشترط الزكاة تمليك المال لشخص داخل أحد الأصناف الثمانية، ويؤكد هذا الفهم ما قرره الفقهاء في أن الزكاة لا تصرف في المصالح العامة التي يشترك فيها الغني والفقير.
بينما يجيز بعض العلماء إدخال سقيا الماء تحت الزكاة عند توجيهها للفقراء على وجه التمليك أو الاختصاص؛ مثل إيصال الماء إلى أسر فقيرة لا تجد ما تشربه أو حفر بئر في موضع لا ينتفع به إلا المحتاجون وعند تحقق هذا القيد يصدق القول بأن سقيا الماء من زكاة المال جائزة لأنها وصلت إلى مستحقها بصورة مباشرة.
ويفرق أهل العلم بين هذا التصرف وبين المشاريع العامة كسقيا المساجد أو الطرق؛ حيث لا يتحقق التمليك ولا يختص الفقير بالمنفعة وعند هذه الصورة يخرج المشروع عن كونه من مصارف الزكاة ويدخل في باب الصدقة المستحبة.
أجر سقيا الماء على أهل الإنفاق
يحرص المسلم على معرفة فضل العمل قبل الإقبال عليه ويزداد هذا الحرص عند الحديث عن سقيا الماء لما لها من أثر مباشر في حياة الناس، كما يفتح هذا الباب مجالًا واسعًا للأجر؛ سواء أنفقت الأموال صدقة أو زكاة وفق الضوابط الشرعية.
ويظل التساؤل قائم حول هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء مع استحضار عظيم الثواب المرتبط بهذا العمل، ويتمثل أجر سقيا الماء على أهل الإنفاق في:
- ينال المتصدق أجر الإحسان إلى الخلق لأن الماء أصل الحياة وإيصاله للناس يرفع عنهم مشقة عظيمة.
- يكتب الله لصاحب السقيا أجر جاري إذا استمر نفع الماء وانتفع به الناس لزمن طويل.
- يثيب الله المنفق على نيته الصادقة، لأن القصد من سقيا الماء رفع الضرر عن المحتاجين.
- يضاعف الأجر عند وصول الماء إلى من اشتد احتياجه، كالفقير والمسافر وابن السبيل.
- يربط الشرع بين سقيا الماء والرحمة؛ فقد أخبر النبي ﷺ عن مغفرة الله لرجل سقى كلبًا فشكر الله له.
أيهما أفضل حفر الآبار أم توزيع المياه في الحرم
يتساءل البعض من أهل الخير عن العمل الذي يحقق أعظم أجر عند الإنفاق في باب سقيا الماء، ويزداد هذا التساؤل عند الرغبة في الجمع بين الفضل الشرعي وحسن توجيه المال.
ويوضح الفقهاء أن المفاضلة بين الأعمال لا تقوم على الصورة وحدها وإنما على مقدار النفع وحال المحتاجين مع بقاء سؤال هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء مرتبطًا بالضوابط المعروفة ومن أجل معرفة الأفضل نوضح فضل الاثنين على النحو التالي:
1. حفر الآبار في المناطق المحتاجة
- يحقق نفعًا دائمًا إذا وضع في موضع الحاجة الحقيقية.
- يسد حاجة الفقراء إلى الماء للشرب والاستعمال اليومي.
- يرفع عن الناس مشقة البحث عن الماء لمسافات طويلة.
- يستمر أجره ما دام الماء جاريًا وينتفع به المحتاجون.
- يناسب الصدقات الجارية أكثر من الزكاة إلا عند اختصاص الفقراء بالمنفعة.
2. توزيع المياه في الحرم
- يخدم أعداد كبيرة من الزوار والمعتمرين.
- يساعد العباد على أداء النسك ويخفف عنهم العطش والتعب.
- يرتبط بمكان فاضل وزمان فاضل في كثير من الأحيان.
- يدخل في باب الصدقة العامة التي يعم نفعها الجميع.
- لا يتحقق فيه شرط تمليك الزكاة لمستحقيها غالبًا.
الخلاصة
يحتاج المسلم إلى فهم دقيق لأحكام الزكاة قبل توجيهها لأي عمل خيري لأن الشرع ضبط مصارفها وحدد مستحقيها على وجه لا يقبل التوسع، ويوضح ما سبق أن سؤال هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء لا يجاب عنه بإطلاق وإنما يربط بجهة الانتفاع وطريقة التنفيذ.
بينما يخرج مشروع سقيا الماء عن الزكاة إذا كان نفعه عامًا فلا يختص بالفقراء ويدخل في باب الصدقات الجارية التي عظم أجرها وثبت فضلها في السنة، ويجيز أهل العلم صرف الزكاة في سقيا الماء عند تحقق وصول المنفعة إلى الفقير نفسه على وجه خاص.
هل يجوز صرف الزكاة في حفر الآبار؟
يختلف الحكم بحسب الجهة المنتفعة من البئر ولا يجوز صرف الزكاة في حفر الآبار إذا كان نفعها عامًا يشترك فيه الغني والفقير لأن الزكاة تشترط وصول المال إلى مستحق معين ويجوز صرف الزكاة عند تخصيص البئر لفقراء محتاجين لا يجدون الماء أو عند إيصال الماء إليهم على وجه يحقق انتفاعهم الخاص.
ما هي أفضل مصارف زكاة المال؟
تتحقق أفضلية مصرف الزكاة عند شدة حاجة المستفيد وليس عند صورة المشروع؛ بينما يقدم الفقير والمسكين إذا كانا عاجزين عن سد ضروراتهما الأساسية ويلي ذلك الغارم الذي أثقله الدين وابن السبيل المنقطع عن ماله.
هل يجوز الجمع بين الزكاة وسقيا الماء بنية واحدة؟
يفصل الشرع بين النيتين؛ فلا تصح نية الزكاة في عمل لا يدخل ضمن مصارفها ويجوز للمتبرع أن يخرج زكاته لمستحقيها ثم ينفق في سقيا الماء صدقة تطوعًا بنية مستقلة، ويحقق هذا الجمع الطمأنينة للقلب ويجنب الوقوع في الشك حول هل يجوز صرف الزكاة في سقيا الماء عند تنفيذ المشاريع العامة.